"اغْتِنَامُ الأَوْقَاتِ فِي المُبَاحَاتِ وَالطَّاعَاتِ" بقلم الدكتور عيد كامل حافظ النوقي

 

اغْتِنَامُ الأَوْقَاتِ فِي المُبَاحَاتِ وَالطَّاعَاتِ




بقلم الدكتور عيد كامل حافظ النوقي

الوقتُ هو العُمرُ الذي نعيشُه، ورأسُ المالِ الذي لا يُعوَّض، والنعمةُ التي يغفلُ عن قيمتِها كثيرٌ من الناس؛ فكلُّ لحظةٍ تمضي من حياتنا لا تعود، وكلُّ يومٍ ينقضي يطوي صفحةً من أعمارنا، ويقرِّبُنا من لقاء الله تعالى.

وقد أقسم الله بالعصر تنبيهًا إلى عظيم قيمة الزمن، فقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].

إن اغتنام الأوقات لا يعني أن يقضي الإنسان عمره في العبادة الشعائرية وحدها، أو أن يحرم نفسه من الراحة والسرور والمباحات الطيبة؛ بل يعني أن يعيش حياةً متوازنةً، يجعل فيها للطاعة نصيبًا، وللعمل نصيبًا، وللأسرة حقًّا، وللجسد راحةً، وللنفس فسحةً مباحةً تُجدِّد نشاطها وتعينها على مواصلة الخير.

فالمباحات قد تتحول بالنية الصالحة إلى أبواب للأجر؛ فالنوم بنية الاستعانة على الطاعة، والعمل بنية الكسب الحلال وكفاية الأهل، والرياضة بنية حفظ الصحة، ومجالسة الأسرة بنية المودة وصلة الرحم، كلها أعمال مباحة يُرجى الثواب عليها بالنية الصالحة، مع مراعاة أحكام الشرع وأداء الحقوق والواجبات.

وفي الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» رواه البخاري. [صحيح البخاري، كتاب الرقاق، حديث 6412].

وهنا تكمن الحكمة؛ فليس النجاح أن نملأ ساعاتنا بالحركة، بل أن نملأها بما ينفع، وليس الإنجاز أن ننشغل بلا توقف، بل أن نعرف متى نعمل، ومتى نتعلم، ومتى نعبد، ومتى نستريح. فكم من ساعاتٍ أُهدرت في جدالٍ عقيم، أو متابعةٍ لا تنتهي لما لا ينفع، وكم من دقائقَ صادقةٍ صنعت علمًا، أو أصلحت قلبًا، أو أسعدت إنسانًا!

ومن وسائل اغتنام الوقت: تنظيم اليوم، وتقديم الفرائض، وتحديد الأولويات، وتقليل المشتتات، واستثمار أوقات الانتظار في الذكر أو القراءة، ومحاسبة النفس برفقٍ في نهاية اليوم، دون تكليفٍ يرهق الجسد أو يضيّع حقوق الآخرين.

ولنتذكر أن العمر ليس بطوله وحده، وإنما ببركته وأثره؛ فقد يعيش المرء سنواتٍ كثيرةً دون أثر، وقد يترك في دقائق الإخلاص والعمل الصالح ذكرًا طيبًا يمتد بعد رحيله.

الخاتمة: يا ابنَ آدم، إن أيامك صفحاتٌ من كتاب حياتك، فاجعل فيها ما يسرك أن تلقى الله به. اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، واجعل مباحاتك عونًا على طاعاتك، وطاعاتك نورًا لطريقك، وأعمالك الصالحة أثرًا باقيًا في دنياك وآخرتك؛ فالسعيد من عاش نافعًا، ورحل تاركًا خيرًا.








إرسال تعليق

0 تعليقات