معز مانى يكتب حرب أكتوبر 73 نعم نستطيع تونس 🇹🇳

 

حرب أكتوبر 73 نعم نستطيع




بقلم   معز ماني   تونس 🇹🇳

                                                                              عندما يكسر حاجز الخوف .

هناك أشياء لا يغيّرها الزمن، لأن الزمن نفسه يعجز عن تغييرها ما لم تتقدّم الإرادة لتصنع التحوّل.

وهناك لحظات لا تقاس بالساعات والأيام، بل بما تتركه في ذاكرة الشعوب من يقين جديد، أن الإنسان حين يصدق مع نفسه، ويأخذ بالأسباب، ويحسن الاستعداد، ثم يتوكّل على الله، يستطيع أن يفتح في أكثر الجدران صلابة نافذةً للعبور.تلك هي شفرة كل تغيير حقيقي، وكل انتصار كبير.

إرادة صادقة لا تعرف التراجع، وأخذ بالأسباب لا يترك شيئا للصدفة، وتوكّل على الله لا يعني الاستسلام، بل يعني أن تبذل أقصى ما تستطيع ثم تمضي بقلب مطمئن.وفي التاريخ العربي الحديث، ثمة يوم يستحق أن نتوقف عنده طويلا، لا لأن المعركة انتهت بانتصار عسكري فحسب، وإنما لأن ذلك اليوم أعاد تعريف كلمة كانت قد أثقلتها الهزائم، المستحيل.إنه السادس من أكتوبر 1973.

عندما يصبح الخوف جدارا : قبل أن تبدأ المدافع بالكلام، كان هناك شيء آخر ينبغي هزيمته، الخوف .فبعد سنوات من حرب يونيو 1967، لم تكن المشكلة في الأرض وحدها، ولا في السلاح وحده، ولا في الحسابات العسكرية وحدها، كانت هناك صورة ذهنية ثقيلة ترسخت في الوعي،جيشٌ قيل إنه لا يقهر، وخطّ دفاعي قيل إنه لا يخترق، وحاجز مائي قيل إن عبوره أقرب إلى المستحيل.كان الخوف قد تحوّل إلى جدار غير مرئي،والجدران غير المرئية أخطر من الجدران التي نراها،لأنك تستطيع أن تقيس ارتفاع الجدار الحجري، لكنك لا تستطيع بسهولة أن تقيس مقدار الخوف الذي يمنع إنسانا من محاولة تسلّقه.

لم تبدأ يوم السادس من أكتوبر،بدأت قبل ذلك بكثير، يوم قرر رجال أن الهزيمة ليست قدرا أبديا، وأن ما حدث بالأمس لا يملك الحق في كتابة الغد.بدأت يوم تحولت الصدمة إلى مراجعة، والمرارة إلى إعداد، والانكسار إلى تصميم.كان لا بد أولا من استعادة الإنسان لثقته بنفسه.

ثم جاء أكتوبر،كان النهار يمضي كأي يوم آخر.لكن خلف الهدوء الظاهر، كانت هناك عاصفة تعدّ نفسها،وفي لحظة محددة، انفتح الباب الذي ظل مغلقا طويلا،انطلقت القوات المصرية لعبور قناة السويس، وبدأت عملية عسكرية ستتحول لاحقا إلى واحدة من أبرز محطات التاريخ العسكري في القرن العشرين.لم يكن العبور مجرد انتقال من ضفة إلى ضفة،كان عبورا من الخوف إلى الفعل،من السؤال"هل نستطيع؟"إلى الإجابة التي لا تحتاج إلى كثير كلام،نعم، نستطيع.

هناك، تحت ضجيج المعركة، كانت تتهاوى فكرة أكثر من تحصينات،فكرة أن التفوق العسكري وحده يصنع النصر.لقد أثبت أكتوبر أن الإرادة، حين تتسلح بالتخطيط والمعرفة والتدريب والانضباط، تستطيع أن تفاجئ الحسابات الجامدة، وأن تحول اللحظة المناسبة إلى فرصة تاريخية.لم يكن الأمر اندفاعا عاطفيا أعمى، بل كان إعدادا طويلا، وتخطيطا، واستثمارا في الإنسان، واستعادة للثقة، ثم اختيارا للحظة التي يصبح فيها الفعل أكثر قوة من الانتظار.وهكذا، حين جاءت الساعة، لم تكن الإرادة وحدها في الميدان، كانت معها الأسباب.

عبور الماء، وعبور المستحيل : في السادس من أكتوبر، لم يكن الجنود يعبرون قناة السويس فقط،كانوا يعبرون حاجزا نفسيا تراكمت طبقاته في السنوات السابقة،كل متر إلى الأمام كان يحمل معنى يتجاوز الجغرافيا،كل خطوة كانت تقول إن الجيوش لا تهزم عندما تخسر معركة فقط، وإنما تهزم حين تفقد القدرة على تصديق أنها تستطيع العودة.وأكتوبر كان استعادة لذلك التصديق.كانت هناك معدات، وخطط، وتدريب، ومعلومات، وتضحيات، وقيادة، وتنسيق، وعقول اشتغلت طويلا على تفاصيل المعركة.لكن خلف كل ذلك كان هناك شيء لا يظهر في الخرائط العسكرية،روح تقول، لن نبقى أسرى لما حدث،وهنا تكمن عظمة التجربة،فالإنسان لا ينتصر عندما يختفي الخوف من داخله؛ بل عندما يقرر ألا يسمح للخوف بأن يقوده.

يوم واحد مازال يفصلنا على ذكرى الملحمة،ولن أدع هذا اليوم يمر، دون أن أشارك أخي الغالي، الأديب العالمي، محي الدين حافظ، والشعب المصري احتفالات السادس من أكتوبر، فتونس هي مصر، ومصر هي تونس، وفرحتها هي فرحتنا. ومصيرها هو مصيرنا.لم تكن مصر يومها تقاتل في عزلة عن محيطها العربي،كان نبض المعركة يصل إلى البيوت العربية، وكانت أخبار الجبهة تستقبل في تونس كما تستقبل في القاهرة، لأن القضية في وجدان الناس لم تكن مجرد حدود جغرافية، كانت قضية كرامة وذاكرة وجرح مشترك.لهذا أقول لأخي الغالي محي الدين حافظ، ولأهلنا في مصر،إن فرحتكم في أكتوبر تصل إلينا بلا استئذان،نشارككم ذكراها لأن بيننا من وشائج المحبة ما يجعل الحدود مجرد خطوط على الخرائط.

لكن لا تكتمل صورة أكتوبر بالحديث عن النصر وحده،فوراء كل لحظة مجد، هناك وجوه غابت، وأمهات انتظرن، وآباء أخفوا دموعهم، وأطفال كبروا وفي ذاكرتهم صورة رجل خرج من البيت ولم يعد.لهؤلاء تحديدا يجب أن تتجه التحية في هذا اليوم.

إلى شهداء أكتوبر، تحية إكبار وإجلال،لم يكونوا أرقاما في سجلات المعارك، ولا أسماء عابرة في نشرات الأخبار. كانوا بشرا لهم أحلامهم وبيوتهم وأحباؤهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام لحظة يصبح فيها الدفاع عن الوطن أسمى من الحسابات الشخصية.رحلوا، وبقيت أسماؤهم،وهذه إحدى مفارقات التاريخ: قد يغيب الإنسان عن الحياة، لكنه يظل حاضراً في الذاكرة بقدر ما منحها من معنى،رحم الله شهداء أكتوبر، وكل من دفع حياته ثمنا لوطنه وكرامته.

أما الأجيال التي جاءت بعده، فعليها أن تفهم ما وراء الحدث، أن الأمم لا تبقى قوية لأنها انتصرت مرة، وإنما لأنها تعرف كيف تحول انتصاراتها إلى وعي، ووعيها إلى عمل.ولهذا فإن الاحتفال الحقيقي لا يكون برفع الأعلام وحدها، ولا باستعادة الصور القديمة، وإنما بأن نسأل أنفسنا، ماذا فعلنا بالدرس الذي تركه لنا الذين سبقونا؟ ونحن، في كل زمن، أمام قنوات أخرى وحواجز أخرى، ليست بالضرورة مائية أو عسكرية؛ قد تكون اليأس، أو الانقسام، أو التخلف، أو فقدان الثقة بالمستقبل.والأمم التي لا تتعلم كيف تعبر هذه الحواجز، تظل أسيرة ضفافها القديمة.

ختاما ،في ذكرى السادس من أكتوبر، نستعيد مصر التي صنعت من الإرادة فعلا، ومن الألم طاقة، ومن الانتظار قرارا .نستعيدها لا لنعيش في الماضي، وإنما لنفهم لماذا تظل بعض اللحظات أكبر من زمنها.

ونحيّي الشعب المصري، ونحيّي جيشه، ونخص بالشكر والتقدير كل من ساهم في صناعة ذلك العبور، وكل أم احتملت الغياب، وكل أسرة دفعت من أعز ما تملك، وكل شهيد ترك وراءه اسما لا ينبغي أن يطويه النسيان.ونقول لهم ،تحيا مصر .


إرسال تعليق

0 تعليقات