روح صديقة
بقلم: عبد السميع المصري
أنا آية، أبلغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا. تزوجت وأنا في الخامسة والعشرين من عمري. كان زواجًا تقليديًا؛ رآني رامي في إحدى المناسبات العائلية، فأُعجب بي وتقدم لخطبتي، وتم الزواج وسط فرحة الأهل والأقارب.
في بداية حياتنا الزوجية كنت أتعامل مع الأمر على أنه حياة عادية بين زوج وزوجة، ثم رزقنا الله بابننا كريم، وبعده جاءت مريم لتزيد بيتنا بهجة وسعادة. ومع مرور الوقت أصبح الطفلان محور حياتي كلها، فكنت أعيش لهما ومن أجلهما، حتى إنني دون أن أشعر بدأت أهمل رامي
وأبتعد عنه عاطفيًا.
كان يؤدي دوره على أكمل وجه؛ يعمل ويجتهد ويوفر لنا كل ما نحتاج إليه وأكثر. لم يبخل عليّ يومًا بطلب، وكان يسعى دائمًا لرؤيتي سعيدة، لكنني لم أكن أنتبه إلى احتياجه هو أيضًا لكلمة طيبة أو لحظة اهتمام أو نظرة تقدير.
مرت السنوات على هذا الحال، ورامي يتحمل بصمت. لم يكن يشكو أو يعاتب، لكنه كان يبدو دائمًا حزينًا ووحيدًا. كنت أرى ذلك في عينيه، لكنني لم أفهم معناه إلا بعد فوات الأوان.
وذات يوم اضطر رامي للسفر إلى الخارج من أجل العمل. يومها فقط اكتشفت الحقيقة التي غابت عني لسنوات طويلة... اكتشفت أنني أحبه أكثر مما كنت أتخيل.
منذ لحظة سفره شعرت بفراغ هائل يملأ البيت. لم أعد أطيق غيابه، وكنت أنتظر موعد اتصاله وكأنني أنتظر الحياة نفسها. كثيرًا ما بكيت وأنا أحدثه عبر الهاتف، وأخبره بمدى اشتياقي إليه. كنا نتواصل عبر مكالمات الفيديو لساعات طويلة، نتبادل الحديث والنظرات في محاولة للتغلب على قسوة المسافات.
وكان رامي يتألم لرؤيتي أبكي، فأراه يخفي دموعه خلف ابتسامته، محاولًا أن يطمئنني ويخفف عني. عندها فقط أدركت كم تحمل من أجلي، وكم افتقدت وجوده الحقيقي في حياتي.
مرت شهور الغربة ثقيلة كأنها سنوات، حتى جاء اليوم الذي عاد فيه إلى الوطن. لا أستطيع وصف شعوري حين رأيته أمامي من جديد. شعرت وكأن الروح التي غابت عن جسدي قد عادت إليه.
طوال الأسبوع الأول لم أكن أرغب في الابتعاد عنه لحظة واحدة. كنت أجلس إلى جواره باستمرار، وأكتفي بالنظر إليه وكأنني أستعيد كل اللحظات التي ضاعت بيننا. حتى الأعمال اليومية أصبحت بلا قيمة أمام وجوده، فكل ما كنت أتمناه هو أن أبقى بقربه.
في تلك الأيام فهمت درسًا لن أنساه ما حييت؛ فالحب الحقيقي لا يُقاس بكثرة الكلمات ولا بحجم الهدايا، بل يظهر عندما يغيب من نحب فنشعر أن جزءًا منا قد رحل معه.
لقد كشفت لي الغربة حقيقة رامي. لم يكن مجرد زوج يشاركنا مسؤوليات الحياة، بل كان صديق العمر، وسند الأيام، ورفيق الروح الذي يمنح للحياة معناها ودفئها.
ومنذ عودته، وعدت نفسي ألا أجعل زحام الحياة وأعباءها يسرقان مني أجمل ما أملك...
روح صديقه ، وحب زوجي ، ورفيق دربي .




0 تعليقات