لماذا يرى كلُّ إنسانٍ نفسه على صواب؟

 

لماذا يرى كلُّ إنسانٍ نفسه على صواب؟




من الظواهر الإنسانية التي تستحق التأمل أن معظم الناس ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم أصحاب الرأي الأصوب، بينما يرون أن الآخرين هم موطن الخطأ والتقصير. وهذه الظاهرة لا تقتصر على فئة معينة، ولا على ثقافة دون أخرى، بل تمتد إلى مختلف المجتمعات والبيئات، فتظهر في الأسرة، ومكان العمل، والشارع، ووسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، وحتى في الحوارات الفكرية والدينية والسياسية.

والحقيقة أن الإنسان لا يتعمد الخطأ في الغالب، بل يقتنع بأنه يدافع عن الحق كما يراه. فهو ينظر إلى الأحداث من خلال خبراته الشخصية، وقيمه، وتربيته، وظروفه، ومصالحه، فتتشكل لديه قناعة راسخة بأن ما يراه هو الحقيقة الكاملة، بينما قد تكون هذه الحقيقة مجرد جزء من الصورة.

وقد أثبتت الدراسات في علم النفس أن العقل البشري يميل إلى البحث عن الأدلة التي تؤيد معتقداته، ويتجاهل – في كثير من الأحيان – ما يخالفها، وهي ظاهرة تُعرف بالانحياز التأكيدي. ولهذا يصبح الإنسان أكثر استعدادًا للدفاع عن رأيه من استعداده لمراجعته، وأكثر ميلًا إلى تبرير أخطائه من الاعتراف بها.

وتزيد وسائل التواصل الاجتماعي من تعقيد هذه المشكلة؛ إذ تمنح الجميع منابر للتعبير دون ضوابط كافية، فتتحول الاختلافات الطبيعية في الرأي إلى خصومات، ويصبح الحكم على الآخرين سريعًا وقاسيًا، بينما يغيب الحوار الهادئ والإنصات الحقيقي. ولم يعد السؤال: "ما الحقيقة؟" بل أصبح: "كيف أثبت أنني على حق؟"

ومن المنظور الإسلامي، دعا القرآن الكريم إلى التواضع ونبذ تزكية النفس، فقال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، كما بيّن أن الإنسان قد يبرر أخطاءه مهما كثرت أعذاره، فقال سبحانه: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾.

ولقد كان العلماء والحكماء عبر التاريخ أكثر الناس تواضعًا أمام الحقيقة، فكان أحدهم يقول: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب." إنها عبارة تختصر أخلاق الحوار، وتؤكد أن امتلاك الرأي لا يعني امتلاك الحقيقة المطلقة.

إن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل هو من علامات النضج الفكري وقوة الشخصية. فالإنسان الواثق من نفسه لا يخشى مراجعة أفكاره، ولا يرى في التراجع عن الخطأ انتقاصًا من كرامته، بل يعتبره انتصارًا للحقيقة على هوى النفس






إرسال تعليق

0 تعليقات