هالةه مغاورى و نظره تحليليه لقصة "سجن بلا أسوار" للكاتبه منى بغدادى النمسا 🇦🇹

 

نظره تحليليه لقصة "سجن بلا أسوار" للكاتبه منى بغدادى حين يتحول الماضي من ذاكرة إلى إقامة دائمة




بقلم : هاله المغاورى فيينا  النمسا   🇦🇹

في نصها «سجن بلا أسوار»، تكتب منى بغدادي عن تجربة تبدو شخصية في ظاهرها، لكنها سرعان ما تتجاوز حدود التجربة الفردية لتلامس سؤالًا إنسانيًا أكثر اتساعًا: ماذا يحدث للإنسان حين تنتهي الأحداث، لكنها لا تنتهي داخله؟

هذه هي المنطقة التي يتحرك فيها النص؛ بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والتحرر، وبين ما حدث للإنسان وبين الطريقة التي يواصل بها حياته بعد حدوثه.

العنوان نفسه يمثل مفتاح القراءة الأول. فالسجن هنا ليس مكانًا ماديًا، ولا توجد قضبان يمكن كسرها، وإنما هو حالة داخلية تتشكل تدريجيًا. وهذا ما يجعل الاستعارة المركزية في النص أكثر من مجرد صورة بلاغية؛ إنها محاولة لتجسيد شيء غير مرئي: الخوف الذي لا يراه الآخرون، والندم الذي لا يُسمع صوته، والذاكرة التي يمكن أن تتحول من سجل للماضي إلى قوة تتحكم في الحاضر.

وتنجح الكاتبة في بناء هذا العالم من خلال سلسلة من الصور المتتابعة: الذكرى جدار، والوجع قيد، والخيبة حجر، والخوف حارس، والأفكار جدران، والمفتاح في النهاية قرار داخلي. وعلى الرغم من اعتماد النص على هذه المنظومة الرمزية بصورة واضحة، فإن تماسكها يمنح العمل وحدة دلالية، ويجعل القارئ يشعر بأنه أمام سجن يتكون تدريجيًا، لا أمام حدث واحد مفاجئ.

لكن العمق الحقيقي للنص لا يكمن في فكرة أن الماضي يؤلمنا؛ فهذه فكرة إنسانية معروفة. وإنما يكمن في السؤال الأكثر تعقيدًا: متى يتحول الاحتفاظ بالماضي من وفاء للذاكرة إلى عجز عن مغادرته؟

هنا يلمس النص واحدة من أكثر المفارقات النفسية حساسية. فالإنسان أحيانًا يتمسك بألمه لأنه يخشى أن يكون التخلي عنه نوعًا من إنكار ما عاشه. وكأن نسيان الوجع يعني أن التجربة لم تكن مهمة، أو أن الأشخاص الذين رحلوا لم يتركوا أثرًا، أو أن السنوات التي ضاعت يمكن ببساطة محوها.

ومن هذه الزاوية، تصبح عبارة «كنت أظن أنني أحتفظ بذكرياتي، حتى اكتشفت في وقت ما أنها هي التي تحتفظ بي» من العبارات المركزية في النص؛ لأنها تقلب العلاقة التقليدية بين الإنسان وذاكرته. لم تعد الذاكرة شيئًا نملكه ونستدعيه حين نريد، وإنما أصبحت هي التي تستدعينا، وتعيدنا إلى المكان نفسه كلما حاول الحاضر أن يبدأ.

وهنا يظهر الصراع الأساسي: الجسد يعيش في الحاضر، لكن الوعي قد يظل مقيمًا في زمن انتهى.

هذه الفكرة ترتبط أيضًا بصورة أخرى شديدة الدلالة حين تتحدث الكاتبة عن «نسخة قديمة» منها لم تعد تشبهها. فالإنسان لا يحمل الماضي وحده، بل يحمل أحيانًا صورة قديمة عن نفسه، ويستمر في التعامل معها كما لو أنها هويته الحالية. وقد يظل يعاقب نفسه على أخطاء ارتكبها في مرحلة لم يكن يمتلك فيها المعرفة أو النضج أو القدرة التي يمتلكها اليوم.

ولهذا تبدو عبارة:

«تعبت من محاكمة امرأةٍ كنتها ذات يوم، بمعايير امرأةٍ أصبحتها اليوم»

من أكثر جمل النص عمقًا؛ لأنها تنقل القضية من مجرد الخروج من الماضي إلى المصالحة مع الذات.

فالتحرر هنا لا يعني أن نسامح الآخرين فقط، وإنما أن نتوقف أيضًا عن محاكمة أنفسنا القديمة بعقلنا الحالي.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن الإنسان قد ينجو من الأشخاص والأحداث، لكنه يبقى أحيانًا أسيرًا لمحكمة داخلية لا تنتهي. يعيد المشهد، ويعيد السؤال، ويبحث عن اللحظة التي كان يمكن أن يتصرف فيها بصورة مختلفة. ومن ثم يتحول الندم إلى إعادة محاكمة مستمرة للماضي، رغم أن الحكم لم يعد قادرًا على تغيير أي شيء.

ومن أجمل ما يفعله النص أنه لا يجعل الخلاص قائمًا على محو الذاكرة. فالكاتبة لا تقول: انسَي، ولا تدعي أن الجرح لم يكن موجودًا، وإنما تصل إلى صيغة أكثر نضجًا: «أن أتذكر دون أن أعيش داخله».

وهنا تتغير دلالة الذاكرة نفسها.

فالهدف ليس أن يصبح الماضي بلا أثر، فهذا غير ممكن، وإنما أن يتغير موقعه في حياتنا. أن يبقى خلفنا بدل أن يبقى أمامنا. أن يصبح جزءًا من قصتنا، لا الكاتب الوحيد لبقية القصة.

ومن هذه النقطة يمكن قراءة العبارة: «أستطيع أن أحمل التجربة كدرس… لا كسجن» باعتبارها خلاصة فكرية للنص كله.

لكن النص يفتح، في الوقت نفسه، سؤالًا يستحق التوقف عنده: إلى أي مدى يكون الإنسان مسؤولًا عن سجنه الداخلي؟

تقول الكاتبة: «فالذي بنى السجن كان أنا»، وهي عبارة قوية دراميًا، لأنها تمنح الشخصية في اللحظة نفسها دور السجين والسجّان وصاحب المفتاح. إلا أن قوتها تكمن أكثر في معناها الرمزي من معناها الحرفي؛ فالإنسان ليس مسؤولًا عن كل ما تعرض له، ولا يختار بالضرورة الجرح الذي أصابه، لكنه يستطيع مع الوقت أن يستعيد مساحة من الاختيار تجاه هذا الجرح.

وهذا التفريق مهم؛ لأن التحرر الحقيقي لا يبدأ من لوم الضحية على ألمها، وإنما من الاعتراف بأن ما حدث قد لا يكون من اختيارها، بينما طريقة استمرارها في الحياة بعده يمكن أن تصبح، تدريجيًا، مجالًا لاستعادة إرادتها.

ومن هنا تصبح صورة «المفتاح» في نهاية النص أكثر من مجرد خاتمة جميلة؛ إنها رمز لاستعادة القدرة على الاختيار.

فالكاتبة لا تنتظر شخصًا يأتي لينقذها، ولا تنتظر اعتذارًا متأخرًا من الماضي، ولا تشترط أن يصبح كل شيء بخير حتى تبدأ حياتها. إنها تصل إلى نقطة يصبح فيها القرار سابقًا على ضمان النتائج.

وهذا معنى بالغ الأهمية في النص: الخروج لا يحدث لأن الطريق أصبح آمنًا، وإنما لأن الخوف لم يعد صاحب القرار الوحيد.

على المستوى الفني، يعتمد النص على الجمل القصيرة والتكرار والتدرج في كشف التجربة، وهي تقنيات تخدم طبيعته التأملية. كما أن تكرار مفردات السجن والجدران والأبواب والمفتاح يمنح النص إيقاعًا داخليًا ويؤكد وحدته الرمزية.

ومع ذلك، فإن هذه المنظومة الرمزية نفسها كان يمكن في بعض المواضع أن تمنح القارئ مساحة أكبر للتأويل، بدل شرح الفكرة بصورة مباشرة. فحين تكون الصورة قوية، لا تحتاج دائمًا إلى تفسير طويل. أحيانًا تكون الجملة التي تترك صدى في ذهن القارئ أقوى من عدة جمل تشرح معناها.

وهذه ليست ملاحظة على الفكرة بقدر ما هي دعوة إلى الثقة أكثر بالصورة الأدبية التي نجحت الكاتبة في بنائها.

كما أن بعض التكرار يمكن اختصاره إذا كان الهدف الوصول إلى نص أكثر تكثيفًا، بينما يمكن الإبقاء عليه إذا كان المقصود هو الحفاظ على النبرة الاعترافية والتأملية التي تشبه حديث الإنسان مع نفسه.

والنص في النهاية لا يقدم وصفة جاهزة للسعادة، وهذه نقطة تحسب له. فهو لا يقول إن الماضي يمكن محوه، ولا إن الجرح يختفي بمجرد اتخاذ قرار، وإنما يقدم التحرر باعتباره عملية وعي: أن تعرف ما حدث، وأن تعترف بأثره، ثم أن ترفض أن يصبح ذلك الأثر قدرًا نهائيًا.

ولعل أجمل ما في «سجن بلا أسوار» أنه لا ينكر الألم من أجل الاحتفاء بالقوة. بل يجعل القوة نتيجة للاعتراف بالألم وفهمه ثم إعادة وضعه في مكانه الصحيح.

فالإنسان ليس مطالبًا بأن ينسى كي يتحرر، ولا بأن يتظاهر بأنه لم يتأذَّ كي يبدو قويًا.

ربما تكون الحرية الحقيقية أكثر هدوءًا من ذلك كله:

أن تتذكر دون أن تنكسر،

وأن تحزن دون أن تتوقف،

وأن تنظر إلى ما حدث دون أن تسمح له بأن يحدد ما سيحدث.

وهنا تكتمل دائرة النص.

في البداية كانت الشخصية تعيش في سجن صنعته الذاكرة والخوف، وفي النهاية تكتشف أن الباب لم يكن مغلقًا تمامًا، وأن أصعب ما كان يمنعها من الخروج لم يكن الحديد، وإنما الاعتقاد بأنها لا تستطيع.

ومن ثم فإن «سجن بلا أسوار» يمكن قراءته في جوهره بوصفه نصًا عن استعادة العلاقة مع الذات أكثر من كونه نصًا عن نسيان الماضي.

إنه لا يقول لنا: اترك الماضي وراءك وكفى، وإنما يقول شيئًا أكثر إنسانية: خذ من الماضي ما جعلك أكثر وعيًا، واترك منه ما يمنعك من أن تصبح ما أنت قادر على أن تكونه.

وهذه هي المسافة الدقيقة بين أن نحمل ذاكرتنا، وبين أن تسمح ذاكرتنا بأن تحملنا بعيدًا عن حياتنا.

وفي النهاية، ربما لا يكون المفتاح الذي تبحث عنه الشخصية مفتاحًا لباب خارجي أصلًا، وإنما لحظة وعي داخلية تدرك فيها أن الحياة لم تتوقف عند الصفحة التي آلمتها.

ومن هنا تأتي قوة العنوان مرة أخرى:

السجن بلا أسوار قد يكون داخلنا، لكن باب الخروج يمكن أن يبدأ أيضًا من داخلنا.






إرسال تعليق

0 تعليقات